سيد محمد طنطاوي
116
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
اضطراب ، بل يسيران من أجل منفعتكم ومصلحتكم بنظام ثابت ، كما قال - تعالى - : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ، ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » . وأنه - سبحانه - أوجد النجوم مسخرات بأمره وإذنه ، لكي تهتدوا بها في ظلمات البر والبحر . هذا وقد قرأ جمهور القراء هذه الأسماء : الليل والنهار . . . إلخ بالنصب على المفعولية لفعل « سخر » كما قرأ الجمهور . أيضا . « مسخرات » بالنصب على الحالية . وقرأ ابن عامر : « والشمس والقمر والنجوم » بالرفع على الابتداء ، وقرأ - أيضا قوله - « مسخرات ، بالرفع على أنه خبر عنها . وقرأ حفص برفع النجوم ومسخرات ، على أنهما مبتدأ وخبر : أما بقية الأسماء السابقة فقرأها بالنصب . وقوله « بأمره » متعلق بمسخرات . والمراد بأمره : إرادته ومشيئته وتدبيره ، الجاري على هذا الكون وفق حكمته وإذنه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) * . أي : إن في ذلك المذكور من تسخير الليل والنهار وغيرهما لمنفعتكم ومصلحتكم - يا بني آدم - لآيات بينات ، ودلائل واضحات ، على وجوب العبادة للَّه - تعالى - وحده ، لقوم يعقلون نعم اللَّه - تعالى - ، ويستدلون بها على وحدانيته - سبحانه - وقدرته . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ، ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ، يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُه حَثِيثاً والشَّمْسَ والْقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِه . أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ ، تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( وما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُه ) * . . معطوف على ما قبله من النعم وأصل الذرأ : الخلق بالتناسل والتوالد عن طريق الحمل والتفريخ . قال القرطبي : ذرأ اللَّه الخلق يذرؤهم ذرءا ، أي خلقهم ، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين ، والجمع الذراري ، ويقال : أنمى اللَّه ذرأك وذروك أي : ذريتك .
--> ( 1 ) سورة يس الآية 40 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 54 .